سيد محمد طنطاوي

309

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

نفوسهم . وبعثها على التوبة الصادقة والإخلاص اللَّه رب العالمين ، فقال - تعالى - * ( ولَقَدْ عَفَا اللَّه عَنْهُمْ إِنَّ اللَّه غَفُورٌ حَلِيمٌ ) * . أي : ولقد عفا - سبحانه - عنهم لصدق توبتهم وندمهم على ما فرط منهم ، لأن فرارهم لم يكن عن نفاق ، بل كان عارضا عرض لهم عندما اضطربت الصفوف واختلطت الأصوات ثم عادوا إلى صفوف الثابتين من المؤمنين ليكونوا معهم في قتال أعدائهم . ولقد أكد اللَّه - تعالى - هذا العفو بلام التأكيد وبقد المفيدة للتحقيق ، وبوصفه - سبحانه - لذاته بالمغفرة فإن هذا الوصف يؤكد أن العفو شأن من شؤونه ، وبوصفه - سبحانه - لذاته بالحلم ، فإن هذا الوصف يفيد أنه لا يعاجل عباده بالعقاب ، بل إن ما أصابهم من مصائب فهو بسبب ما اقترفوه من ذنوب ويعفو - سبحانه - عن كثير . وصدق اللَّه إذ يقول : ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّه النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ « 1 » . وقد أكد - سبحانه - شأن هذا العفو لتذهب عن نفوس هؤلاء الذين استزلهم الشيطان حيرتها ولتنخلع عن الماضي ، ولتستقبل الحاضر والمستقبل بقلوب عامرة بالإيمان ، وبنفوس متغلبة على أهوائها مطيعة لتعاليم دينها . وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين بعض الأسباب الظاهرة والخفية لما أصابهم في أحد ، وفتحت لهم باب التوبة لتطهير أنفسهم ، وأخبرتهم بعفو اللَّه عنهم ، وفي ذلك ما فيه من عظات وعبر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . وبعد هذا الحديث الحكيم عن أحداث معركة أحد ، وعما تم للمسلمين في أولها من نصر ، ثم عما جرى لهم بعد ذلك من اضطراب وتفرق بسبب مخالفة بعضهم لوصايا نبيهم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . بعد كل ذلك وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم عن التشبه بالكافرين وعن الاستماع إلى أباطيلهم وحضهم فيه على مواصلة الجهاد في سبيل اللَّه ، حتى تكون كلمة اللَّه هي العليا وأخبرهم بأن الآجال بيد اللَّه ، وأن موتهم من أجل الدفاع عن الحق أشرف لهم من الحياة الذليلة . استمع إلى القرآن وهو يصور هذه المعاني بأسلوبه البليغ فيقول :

--> ( 1 ) سورة فاطر آية 45